أحمد بن يحيى العمري

49

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وحكم أندرونيقوس في تدبير ذلك ، وأمره أن ينسخ نسخا يحملها معه إلى رومية ، [ ونسخا يبقيها في موضع التعليم بالإسكندرية ، وأمره أن يستخلف معلما يقوم مقامه بالإسكندرية ، ويسير معه إلى رومية ] . فصار التعليم في موضعين ، وجرى الأمر على ذلك ، إلى أن جاءت النصرانية ، فبطل التعليم من رومية ، وبقي بالإسكندرية إلى أن نظر ملك النصرانية في ذلك ، واجتمعت الأساقفة وتشاوروا فيما يترك من هذا العلم وما يبطل . فرأوا أن يعلم من كتب المنطق إلى آخر الأشكال الوجودية ، ولا يعلّم ما بعده ، لأنهم رأوا أن في ذلك ضررا على النصرانية ، وأن فيما أطلقوا تعليمه ما يستعان « 1 » به على نصرة دينهم ، فبقي الظاهر من التعليم هذا المقدار ، وما ينظر فيه من الباقي مستورا ، إلى أن كان الإسلام بعده بمدة طويلة ، فانتقل التعليم من الإسكندرية إلى أنطاكية ، وبقي بها زمنا طويلا ، إلى أن بقي معلم واحد ، فتعلم منه رجلان ، وخرجا ومعهما الكتب ، وكان أحدهما من أهل حران ، والآخر من أهل مرو . فأما الذي من أهل مرو : فتعلم منه رجلان ، أحدهما : [ إبراهيم ] المروزي . والآخر : يوحنا بن جيلان . وتعلم من الحراني : [ إسرائيل ] الأسقف وقويري ، وساروا إلى بغداد ، فتشاغل إبراهيم بالدين ، وأخذ قويري في التعليم . وأما يوحنا بن جيلان : فإنه تشاغل أيضا بدينه . وانحدر إبراهيم المروزي إلى بغداد ، فأقام بها ، وتعلم من المروزي متى بن يونان . وكذلك الذي يتعلم في ذلك الوقت إلى آخر الأشكال الوجودية . وقال أبو النصر الفارابي عن نفسه : إنه تعلم من يوحنا بن جيلان ، إلى آخر

--> ( 1 ) : في الأصل المخطوط : " لا يستعان " والصواب ما أثبتناه من عيون الأنباء .